رمضان في اليمن

#رمضان_في_اليمن دائماً ما نصمت ونترك الصور النمطية تتحدث عنا، لكن اليوم قررت أن أكسر هذا الصمت. لا أحد سألني كيف نقضي رمضان في اليمن، ربما لأن العالم يظن أننا غارقون في التعب لدرجة نسيان الفرح. لكن الحقيقة؟ الحقيقة أننا في اليمن "نخترع" الحياة من قلب الصخور.

قبل أن يهلّ الهلال، نبدأ نحن اليمانيون برسم لوحتنا. في بيوتنا القديمة، تلك التي تعانق السحاب، نبدأ بتبييض الجدران بـ "النورة". هل رأيتم يوماً مدينة كاملة تتزين لتستقبل شهراً؟ في اب،في صنعاء، في تريم، في زبيد، البيوت لا تُنظف فحسب، بل تُطهر بالحب.

رائحة "البخور" تصبح هي الأكسجين البديل. نحن لا نستخدم البخور للزينة فقط، بل لنعلن أن "السلام" قد حلّ في هذا البيت. عندما تسير في أزقة المدن القديمة، تشعر أن الجدران الطينية بدأت تتنفس، وأن الحجارة السوداء (الحبش) بدأت تلين وتهمس لك: "أهلاً بك في شهر الرحمة".

في اليمن، المائدة ليست أصنافاً تُصور للتباهي، المائدة عندنا هي "عقيدة كرم".

سأحكي لكم عن "الشفوت"، ذلك الطبق الابيض الذي لا يخلو منه بيت، من قصر المسؤول إلى عشة الفقير. اللحوح اليماني الذي يُصنع بالصبر، ويُسقى باللبن والريحان والكزبرة.. هو ليس مجرد طعام، هو رمز لوحدتنا.

وهناك "السلتة".. هل رأيتم "المدر" وهو يفور على المائدة كأنه بركان من النكهات؟ تلك النار التي تحت القدر هي ذاتها النار التي تسكن قلوبنا؛ متقدة، قوية، وأصيلة. في لحظة الإفطار، يختفي "الأنا" ويحضر الـ "نحن". نقتسم التمرة، ونقتسم الرغيف، ونقتسم حتى الدعاء.

عندما يحل الليل، وتضاء "القمريات"، يتحول اليمن إلى "فانوس كبير". الزائر الأجنبي الذي يرى صنعاء ليلاً في رمضان، يظن أنه دخل في حلم من قصص ألف ليلة وليلة. الضوء الملون الذي ينعكس من النوافذ على الطرقات المرصوفة بالحجر، يخلق هالة من السكينة لا توصف.

في "المفارج"، حيث يجتمع الرجال والشباب، وتجتمع النساء في دوائرهن الخاصة، لا تسمع لغواً. تسمع حكايات عن التاريخ، عن أجدادنا الذين طوعوا الجبال، وتسمع "المواشيح اليمانية" التي تلمس الروح وترقيها. نحن شعب "سمّيع"، نعشق الكلمة الطيبة واللحن الذي يهذب النفس

أقولها لكم بكل فخر: نحن في اليمن قد نكون فقراء في جيوبنا، لكننا "أباطرة" في مشاعرنا. في رمضان، نفتح أبوابنا قبل قلوبنا.

إذا كنت غريباً، ستجد ألف بيت يناديك: "تفضل افطر معنا".

إذا كنت وحيداً، ستجد مئة يد تربت على كتفك وتدعوك للسهر.

إذا كنت حزيناً، ستغسل روحك أصوات المآذن التي تصدح بالتهليل والتحميد.

نحن لا ننتظر من أحد أن يسألنا "كيف حالكم؟"، حالنا هو هذا الصمود الأسطوري، وهذه القدرة العجيبة على تحويل المعاناة إلى "صلاة"، والجوع إلى "صبر"، والضيق إلى "سعة صدر" تتسع للكون كله.

رمضان في اليمن هو "المدرسة" التي نتعلم فيها كل عام كيف نبقى بـ "خير" رغم كل شيء. هو الوقت الذي نثبت فيه للعالم أن "اليمن السعيد" ليس مجرد لقب تاريخي، بل هو حقيقة تسكن في أرواحنا، نخرجها للنور في كل ليلة قدر، وفي كل سجدة فجر. 

Comments